|
قصة ( معركة القدر ) قصة قصيرة بقلمي أتمنى أن تنول إعجابكم !
معركة القـدر
القدر! كلمة مجهولة تحوي بداخلها مصير كل إنسان، كلمة ترددت على مسامعي كجوابٍ مقنعٍ، منذ أن ولدت على هذا الحال .. حاول أبي مرارًا تأكيد أن هذا قدرنا؛ فكان الحال يشتد بنا عسرًا، ومستقبلي يتباعد ويتلاشى حتى لم يعد له أثرًا. من يجد الفقر حليف معيشته سيذوق كل معانيه، وخاصة مرارة العجزِ والاحتياج .. كل هذه المعاني أكرهها؛ فكانت تدفعُ أبي على البكاءِ حتى تنهمر عبراتي أنا الآخر بشكلٍ أحتسبه سبيلُ خلاصنا من الحرمانِ. سألته يومًا: لماذا يا أبي! فعاود تكرار إجابته: لأن هذا قدرنا! أخبرني أن الله هو الرزاق، وهو من يبتلي العباد؛ ليختبر مدى صبرهم وإيمانهم .. ومهما طال الصبر حتمًا سيحل الفرج والثواب. سألته عن الفرج، فأرشدني إلى الصلاةِ والدعاءِ. كنت لا أزال صغيرًا، لا أدري ما أفعله، لا أعلم متى سيحل الثواب مثلما يدهسنا العقاب، كثيرًا ما قصّرتُ في صلاتي، كثيرًا ما كبت غيظي ولم أعترض خوفًا من أن يشتد هذا العقاب. ولكنه وصل لذروته حين اِبتليت أمي بمرضٍ خطيرٍ، أخبرنا الطبيب أنها تحتاج لعمليةٍ، تكلفتها يفوق مالنا بكثيرٍ، عددًا خياليًا إن وجد في أيدينا لأصبح حالنا يسير. دعوتُ الله متوسلًا ولكنني كنتُ متأخرًا، حيث رأيت الموت قادمٌ يُعلن قضاء الله بوفاة أمي وانتقالها إلى الدار الآخرة. سألت أبي متحيّرًا: أهذا هو عقاب الفقر يا أبي، بأن تموت أمي بسبب حفنة من الورق يقولون عنها المال. كان جوابه هو الحيرة أيضًا قبل أن يؤكد لي من جديد، بأن هذا قضاء الله وقدره .. حينها كرهت الفقر ودعوت الله أن ينصرني عليه، تمنيتُ أن أكون طبيبًا حتى أعالج الناس بالمجانِ، كان والدي جالسًا خلفي يقول آمين متمنيًا استجابة الرحمنِ. وجدته يبكي، فالفقر كان يُطوقنا بمعاونةِ الحرمانِ، لا أعلم هل تجوز دعوتي أم أنها تفوق قدري في الحياة، ارتميت في أحضان أبي شاكيًا: «كم هذه الحياة صعبة، كم هذا الصبر أليم وليس سهلًا البتة». كانت أنفاسه تؤيدني، ولسانه يخشى تأكيد ذلك، كان يخاف من أن يُفقدني الأمل في الحياةِ. بدأت الأيام تمر بصعوبةٍ حتى وجدته يصطحبني إلى صديقٍ له، وجدته راحلًا تاركًا إياي عنده، فسألته إلى أين يا أبي، فأجابني بابتسامة غريبة تخفي وراءها الوداع، سمعته يُطمئنني، بأنه ذاهب ليبحث عن أمي. كنت لا أزال صغيرًا في عمرِ السبعِ سنوات، حتى إن لم أكن أصدقه صدّقته لأنه أبي، الذي ليس لي سواه في هذه الحياة. ظلت هذه الكلمات عالقة في ذاكرتي، منذ أن تركني ورحل عني، حيث هذا الجانب المظلم من الحياةِ، بحثتُ كثيرًا عنه ولم أجده، لم أفهم قصده من هذه الكلماتِ، هل أرادني أن أعتبره ميتًا، لا أعلم لماذا تركني وأنا في أمس الحاجة إليه. كان صديق والدي يعاملني أفضل معاملة، بل ويسعى جاهدًا لتشجيعي دومًا، فقط كنتُ أتضايق كلما سألته عن أبي، فكان يخبرني أنه بالمثلِ لا يعرف له مكان .. كيف لا يعرف!، أليس هذا صديقه، ولكنني لم أجد في هذا السؤال حجتي فأنا ابنه الوحيد ولا أعرف. تقبلتُ الأمر الواقع يائسًا، فقط ظللتُ أخطو في هذه الحياة الأليمة ساعيًا لأكون طبيبًا، سعيت واجتهدت وسرت في هذه الدنيا كالمؤمن المخلص في عبادته وعمله حتى حققت حلمي وصرت طبيبًا ... ليس بهذه السهولة ولا السرعة التي أطلقتها هذه الكلمات! بل أن أيام الشقاء زادت، والحزن والألم يشاركنها، وهما يدهسان إنسان بائس مثلي حتى أصبحت أيام كفاحي، بمثابةِ جهادٍ في حربٍ غير عادلة يصعب وصفها! فقط كنتُ مصرًا لأعاند القدر وأقهر هذا الفقر الذي حرمني من أسرتي، بكت عيناي من حالِ هذه الدنيا التي ما أن يُفتح لنا بابًا نتمناه يكن الثمن غاليًا، ولكنني لم أتخيل أن الثمن سيكون أبي وأمي معًا. كان صديق والدي نِعمَ الصديق الذي أحسن تعليمي، وأكمل معي مسيرة التعليم إلى النهاية، تعلمت منه معنى الصديق الحق الوفي، ورأيت بالمثلِ في صديقي، وخاصة عندما سافرت معه إلى الخارج لنعمل أطباء. سافرت إلى فرنسا وهناك بدأت الحياة تبتسم لي أكثر ... تزوجت من فتاةٍ زميلتي في العملِ، في الواقعِ كانت ممرضةً مصريةً تُساعدني، بزواجي منها أصبحت حياتي أكثر سعادةٍ ويسرٍ، وازدادت سعادتي ما أن رزقني الله بذريةٍ صالحةٍ، وأصبحت بالضبطِ مثل أبي. حينها تذكَّرتُ أبي، وبكيت في حيرة: أين عساك تكون يا أبي! رغم كل هذا النعيم كان لا يزال بداخلي جرح قديم، عزمت يومًا على رده لهذا الحال الذي يسمى الفقر، كان بداخلي شعورًا بأنني سأفعلها يومًا وأرد الصاع صاعين ... وبالفعل لم تمر شهور وجاء هذا اليوم الذي خضت فيه معركة بأمر الله، معركة أعلنتها الإرادة والعقل والقلب ضد الفقر والمرض واليأس، كان مقياس المعركة هو الاختيار والقدر. كانت سيدة عجوز وفقيرة، رفض الكثيرون أن يقوموا بالعملية وأخبروها كم هي مكلفة، وفي ذات الوقت ميؤوس منها. وجدتُ أبنائها حولها يبكون وهي تُطمئنهم، وقفتُ أتأمل الفقر وهو يحوم حولهم يؤكد في نفوسهم البائسة أنه المنتصر، شعرت بالشيطانِ يتحرك متراقصًا، ترقرقت أعيني متذكَّرًا هذا الموقف نفسه وأنا أتمنى شفاء أمي، تذكَّرتُ نفسي وأنا أتضرع لربِ العالمين. ولكنني الآن فقط أدركت أن الدعاء لا يمكن أن يكون أمنية نتمناها، أدركتُ أن إجابة الدعوة تكمن فقط في عونِ الله للمرءِ الذي بيده أن يختار الرضوخ أو قهر النفس والظروف؛ ليتغير. الله يريدنا أقوياء، يريدنا أن نتغير؛ ليغير من حالنا. فلو لم يحدث لأمي ما حدث؛ ما حدث لي ما حدث. هذه حكمة الله التي أدركتُها الآن بعد زمن طويل من الحيرةِ. حينها هرولت نحوها كالمجنونِ أُطمئنها، فالمعركة معركتي مؤكدًا لها أنها لن تموت، فكل شيء بيد الله وحده .. تعهدت أمامها وأمام الجميع بتحملِ تكاليف علاجها، بل أنني سأقوم بهذه العملية بنفسي. تحدّيتُ الجميع حتى ظنوا بي الجنون، تحديت هذا الفقر اللعين الذي ما أن ندعه في استسلام، ينهش فينا كالنيرانِ، يبيد كرامتنا لنصبح أذِلاّء خاضعين لأناسٍ لا تعرف عن الرحمة شيئًا. دعوت الله لينصرني كي أرى الفرحة -التي فقدتها -على وجوه أبنائها الصغار، دعوت الله أن يمنَّ عليّ برحمته وقوته ليعينني في هذه المعركةِ، كنت واثقًا أن الله سينصرني، فجميعنا أسباب في هذه الحياة، كلنا جنود الله كالجسدِ الواحدِ، لابد أن نتَّحد معًا ونساعد بعضنا بعضًا حتى ننتصر على الفقر وكل معاني الفساد والقهر في هذه الدنيا. كانت لحظات عصيبةً، فيها مرت حياتي أمام ناظري، متأملًا حقيقة قدري، كنتُ أجاهد واثقًا من النجاح. لمحت زوجتي دموعًا تترقرق من عيني، أخبرتني أن جسدها ارتجف وظنت أنني سأفقد الأمل، ولكنها لم تفهم أنها دموع الفرح التي ترقرقت لتعلن عن النصرِ، حتى أنني لم أكن واعيًا بما يحدث حولي. شعرت أنني لستُ هذا الإنسان الضعيف قبلًا، كانت روحي تنتفض انتصارًا، ودموعي تترقرق فرحًا، ولعل الفرحة قد اكتملت فور أن انقض عليّ أبناء هذه السيدة، رأيت دموع الشكر تنسل من أعينهم، ويعانقوني كما لو كنت أخاهم الذي أنقذ حياة والدته. حملت أصغرهم ورحت أقبّله، فازداد بكائي؛ فأخيرًا رأيت الفرحة التي تمنيتها يومًا وقتما كنتُ صغيرًا، الفرحة التي تمنيتها لألتمسها فور شفاء أمي، سمعت اِمتنانه وشكره فأخبرته أن الشكر لله وحده، فهو القادر على كل شيء. الآن فقط! تحققت دعوتي وأنقذتُ أمي، الآن تنحاز لي الدنيا كلها، الآن أحصل على نوبل وشعبي فخور بي، الآن حققت مبتغاي، وفزت بمحبةِ الناسِ في كافة بقاعِ الأرضِ. ولكن ثمة شيء آخر ينقصني، فور أن تذكَّرت أبي من جديدٍ، فعقدت النية لحج بيت الله، نويت أن أحج لأبي وأمي، فهرولت مسرعًا ملبيًا. وهناك أوقفني شخصًا يسألني المساعدة، طلب مني مرافقته لأطّلع على رجلٍ فقيرٍ، اشتد به المرض ولا يقدر على ثمنِ العلاجِ. شعرت أن هذا نوعًا جديدًا من الاختبارِ، فقلت صارخًا: «وأنا في خدمته .. أنا عدو الفقر أينما كان». ولكنني لم أكن أدري أن هذا الاختبار أصعب مما أتخيله، فما أن وصلت حتى عرفت من هذا الفقير النائم أمامي، كان راقدًا في فراشه ينظرني باكيًا. في هذه اللحظة اهتز وجداني، وتفاجأت بأعيني تبكي بدموعٍ لم تفيض قبلًا بهذا القدرِ. «أبي!» سألته بتلك الكلمةِ الوحيدة التي تفوق ألف سؤال، رددها لساني بصوتٍ مترددٍ، خشية أن يكون النفي هو الجواب. مرت ثوانٍ حتى وصلني الجواب، حيث وجدته يومئ لي في ضعفٍ وأعينه تدمع، لم أحتمل! وارتميت في أحضانه أجهش بالبكاءِ، أخذت أقبله وجسدي كله يرتجف، هذه أعظم لحظة شهدتها طوال حياتي، هذه مكافأتي الحقيقية بعد كل هذا العناء. استمعت لكلماته الواهنة: «لكم أنا فخور بك يا صغيري وبانتصارك أخيرًا على عدونا اللدود .. الآن فقط سأموت راضيًا بعد رؤياك في أفضلِ حالٍ». بكيت متوسلًا رافضًا هذا القدر، أخبرته بأنني سأفعل المستحيل لكي يعيش ... ولكنه أوقفني، بيدهِ الحنونة وهو يربت على يدي: «وهل المستحيل يفوق قدر الله .. ربما قد انتصرت على المستحيلِ، وهزمت الفقر .. ولكن القدر هو أنت .. قدرك هو ما كُتب لك، كُتب فيه أنك ستكافح وتجتاز حدود المستحيل وتنتصر على الفقرِ». حاولت أن أخبره عن مقدرتي، فأوقفني: «أنا لم أعد راغبًا في الحياة .. فقط أردت رؤياك لأوصيك وطنك وأهلك، عد لتعمره واقض فيه عمرك بكامله، الغربة سيئة مهما حققت فيها من أحلام وأموال، وطنك الآن يضيع بسبب غربتنا، عد يا صغيري وكن من المحاربين الشجعان، شارك جنود أرضك، وأعد أرض سيناء للمصريين، أكمل معركتك ضد الفقر والفساد، كن شجاعًا وساعد المحتاجين والفقراء، أكرمهم مثلما أكرمك الكريم». أخذت أبكي متوسلًا ألا يتركني ووعدته أنني سأحقق وصيته، ولكنه كان قد رحل! رحل بعيدًا وتركني وحدي متشبثًا بأخرِ كلماته: «لا تعاند القدر يا صغيري وتقبله راضيًا .. فلطالما كانت معركته منذ أخبرتك كاذبًا أني ذاهب لأمك وتركتني، فلا توقفني الآن بعدما رأيتها في المنام وعرفت مكانها». |
|||
قصة ( معركة القدر ) قصة قصيرة بقلمي أتمنى أن تنول إعجابكم !
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق