الثلاثاء، 2 مايو 2017

روابة نرجس....بقلم ايناس مهنا

,  


العضوٌﯦھہ »
 التسِجيلٌ »
مشَارَڪاتْي »
روابة نرجس....بقلم ايناس مهنا

الفصل الاول




انهت اللوحة وعلقتها على الجدار ،استلت سكينا جرحت فيه اصبعها الصغير وبدأت تكتب بدمها اسفل اللوحة ((ست الحبايب)) مثلها كمثل عشرات الرسومات التي سبقتها والتي كتبت تحتهن نفس العبارة .

فتاة لم تبلغ العشرين بعد اكتست روحها الشيخوخة والالم قبل اوانها .... عيناها ذابلتان حزينتان بلون الارض وجسد نحيل وشعرها اسود طويل ...

غرفتها معرض دموي ...
بكل ماتعنيه الكلمة من معنى والدليل تلك الصور المرسومة لوجوه نساء مشوهة المعالم والملصقة على الحائط بانتظام ودقة وتحتها تلك العبارة بنفس الترتيب ونفس التنظيم.

تراجعت الى الوراء مبتسمة ومسحت السكين بثوبها الابيض الرقيق ذو القبة المزركشة ووضعته جانبا والدماء تقطر من يدها اخذت تنظر الى اللوحة الجديدة مبتسمة وبدأت ترتل الترنيمة المعتادة...

-ست الحبايب ....ياا حبيبة ..

يا اغلى من روحي ودمي .....

دمي.....

دمي....

وجلست على الارض تضحك وتضحك وتضحك ....
وبكت ...

بكت حتى تكومت على نفسها كقطة صغيرة ونامت على تلك السجادة الحمراء .

استيقظت صباحا بلا روح او حياة ووقفت تمشط شعرها الاسود الطويل وهي تنظر عبر المرآة بعيون ذابلة انهكها الحرمان والالم

انتهت ونزلت على الدرج حافية القدمين ...اعدت الطعام المكون من قطعة خبز وجبن وجلست على المائدة محدقة بالفراغ صبت الشاي وتأملت البخار المتصاعد من الكأس شربته بمرارة وكأنها تتذكر ذالك الحرق اللعين الذي شوه جسدها وبدأت تاكل بهدوء ...
خرجت الى فناء المنزل بثوبها الصيفي وجلست تحت الشجرة الكبيرة وبدأت تراقب تلك القطة الصغيرة كيف تلعب مع والدتها...

بكت السماء وهطل المطر فاختبأت القطة مع ابنتها .

ووقفت نرجس تحت زخات المطر امسكت عودا خشبيا وحفرت طريقا من البركة التي تكومت فيها المياه الى الشجرة وراقبت انسياب الماء

رفعت بصرها الى الاغصان الجافة والاوراق الصفراء التي تساقط معظمها.

لن تموتي ....

قالتها بصوت كالفحيح واقتربت من شجرتها العجوز فقبلتها وتلمست النقوش التي كانت ترسمها مع والدها على جذعها منذ اكثر من عشر سنوات مضت ،
لن تموتي كما مت انا وماتت روحي..

ودخلت الى المنزل تقطر ماءا من شعرها وفستانها وصعدت الدرج عائدة الى غرفتها ...

الى عالمها الذي كونته وحفرت تفاصيله بأناملها الدامية .....

خلعت ثوبها وجلست القرفصاء على السرير وعادت لتأمل الفراغ ...

سأجد عملا ....
نعم سأعمل وسأعيش ..
اريد ان انسى الماضي وقذارته..

اتحهت الى النافذة المفتوحة ورفعت بصرها الى السماء..

يا الهي كن معي.

فكرت كثيرا ...تسعة عشر ربيعا بروح اكتستها الشيخوخة قبل اوانها ....كانت تريد ان تنسى والدتها ...تريد ان تمحي كل ذكرى مريرة عاشتها في الميتم ولكنها تفشل ...

في كل مرة تقرر فيها بدء حياة جديدة يكتسحها الماضي بألامه ...بقيت تفكر طوال الليل حتى غلبها النعاس ونامت

اقبل الصباح مجددا كعادته البغيضة ليحمل لها ابشع الذكريات و تنقلت بأرجاء المنزل الموحش الذي كرهت كل تفصيل فيه ولكنه ملاذها الوحيد الان وبدأت تحاول تنظيفه فمنذ وقت طويل جدا لم تطأه قدماها بسبب انتقالها الى الميتم .

تذكرت والدها وهو يحمل لها الهدايا والالعاب تذكرت ابتسامته وعطفه وصوته العذب الحنون ابتسمت وجلست على الاريكة تنظر الى النافذة بشرود حتى هاجمتها ذكرى الستائر في ذالك اليوم الذي لن تنساه منذ اكثر من احدى عشر عاما....

كانت عائدة من مدرستها باكرا في ذالك اليوم الشتوي الممطر ودخلت الى المنزل امسكت الوردة الحمراء وركضت تختبئ خلف الستار قبل وصول والدتها من العمل ..كانت تفكر باهداء تلك الزهرة لامها بمناسبة عيد ميلادها الثلاثين كتمت ضحكاتها البريئة عندما سمعت صوت الباب و خطوات كعب والدتها استعدت للخروج من خلف الستار لولا انها سمعت صوتا اخر...

طرقتان على الباب ودخل احدهم

كان صوته خشنا قبيحا يضحك بخبث ومكر ولم يكن يضحك وحده بل كان معه صوت امها .....

ارعبها صوت انغلاق الباب وصوت هذا الرجل الغريب.تلصصت قليلا حتى رأته وهو جالس على الاريكة كان ببساطة صديق والدها ولكنه يرتدي عبائة نسائيا ويظهر وجهه فقط لم تفهم ماالذي يجري حتى بدأ يحكي مالم تكن تتوقعه او تصدقه ..

مالازالت كلماتهما عالقة في ذاكرتها بادق التفاصيل
مازالت ملامسة يديه لجسد والدتها تحرقها وتصرخ بعقلها ..

-هههه وائل ماهذا الذي ترتديه لماذا تتخفى هكذا؟
-حبيبيتي اخيرا قضي الامر ....ستكونين لي وبدون اية مشاكل .

احقا ماتقوله يا وائل اتعني انك قتلته ؟

-وما بك هل حزنتي عليه ياحلوتي كما اننا اتفقنا على انه الحل الوحيد ما المشكلة الان.

-نعم ولكن لم اعتقد انك ستنفذ ما اتفقنا عليه بسرعة هكذا ارجوك اخبرني كيف فعلتها ؟؟

-الم تسمعيه يتكلم معي البارحة ليلا لقد اتصلت به من رقم غير رقمي وطلبت منه ملاقاتي على مشارف البلدة ركبت معه بسيارتكما وانطلقنا عبر الطريق المؤدية الى الجيزة واخبرته اني احتاجه لامر ضروري جدا فوافق الاحمق بسرعة ظنا منه انني في ورطة وهناك بعيدا عن الطريق الرئيسي طلقة صغيرة في الرأس انهت كل شيئ..

-اووه المسكين كان واثقا بك لقد اخبرني انه ذاهب لملاقاتك ولن يتأخر.

-هههه انا المسكين الذي انتظر كل هذه المدة كان يجب ان اقتله منذ وقت طويل ...

وشدها اليه بقوة مردفا

والان اسمعي يوم او اثنان وقدمي بلاغ اختفائه قبل ان تأكل جثته الوحوش هذا ان لم يكتشف الجثة احد قبل هذا الوقت ..

اما انا فسأعود الى القاهرة الان لان جميع من في البلدة يعلمون اني مسافر منذ بضعة ايام لذالك تصرفي على هذا الاساس.

-ولكن أأنت متأكد انك لم تترك خلفك دليلا ...

-لاتخافي كل شيء سار على اكمل وجه احضري الطفلة وتعالي الى هذا العنوان .

اعطاها الورقة وودعها وطبع قبلة قذرة قبل ان يلتحف مجددا بعبائته ويغادر المنزل ...

اما نرجس فوقعت الوردة من يدها بعد ان ادمت اناملها شوكاتها وبدأت تأن وتشهق مصدومة كاتمة بكائها الذي كاد ان يفضحها اكثر من مرة.

أ أمي خائنة ..قاتلة
أ ءء أبي مات .
أمي قتلت ابي

حتى فلتت منها شهقة قوية فأجفلت عندما رفعت امها الستار لتتفاجئ بها ...صرختان من الام وابنتها قبل ان ترفع نرجس نظرها بكل حقد وتقول :قااااتلة ..

قتلتي ابي وحان دوري وركضت خارجة من المنزل لطمت امها الخدود لشدة صدمتها وبدأت بالنواح ولحقت بابنتها المنهارة التي تصيح باعلى صوت

قائلة ....قاتلة تريد قتلي كما قتلت ابي
ركضت الام خلفها بين الطرقات وهي ترجو بعض المارة ان يوقفوا طفلتها الصغيرة حتى وقع الامر وانتهى بحادث مروع للام في الشارع الرئيسي بعد ان دهستها شاحنة مسرعة فخرت صريعة .

كان ذالك اكثر من طاقة نرجس على الاحتمال ان تخسر حياتها وطفولتها اباها وامها بيوم واحد .

.ركضت الى امها الملقاة بوسط الطريق ووقفت تتأمل هذا الجسد المشوه و الوجه المدهوس بشناعة ...

تأملته مطولا وتجمهر الناس حولهما حتى سحبها اهالي القرية من موقع الحادث .....

وهنا بدأت الحكاية ..

حكاية نرجس....

********
 


روابة نرجس....بقلم ايناس مهنا

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق